الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
540
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
والثاني : أنه رسول إلى من وصله خبر وجوده ، وخبر معجزاته وشرائعه ، حتى يمكنه عند ذلك متابعته . أما لو قدرنا حصول قوم في طرف من أطراف الأرض لم يبلغهم خبره وخبر معجزاته وشرائعه حتى لا يمكنهم عند ذلك متابعته فلا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوته . وعن أبي هريرة عن النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - أنه قال : « والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار » « 1 » رواه مسلم . ومفهومه : أن من لم يسمع بالنبي - صلى اللّه عليه وسلم - ولم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور ، على ما تقرر في الأصول أنه لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح . وفي هذا الحديث نسخ الملل كلها برسالة نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - . وقال تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ « 2 » . خاطب تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأنه قد أرسل إليهم رسوله محمدا خاتم النبيين الذي لا نبي بعده ولا رسول . بل هو المعقب لجميعهم ، ولهذا قال تعالى : عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ « 3 » أي بعد مدة متطاولة ، ما بين إرساله وعيسى ابن مريم . وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة كم هي ؟ فقال النهدي وقتادة في رواية عنه : ستمائة سنة . ورواه البخاري عن سلمان الفارسي . وعن قتادة : خمسمائة وستون سنة ، وقال الضحاك : أربعمائة وبضع وثلاثون سنة ، وعن الشعبي - فيما ذكره ابن عساكر - تسعمائة وثلاث وثلاثون سنة . قال الحافظ عماد الدين بن كثير : والمشهور أنها ستمائة سنة ، قال : وكانت هي الفترة بين عيسى ابن مريم ، آخر أنبياء بني إسرائيل ، وبين محمد آخر النبيين من بني آدم على الإطلاق ، كما في البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعا : « أنا أولى
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 153 ) في الإيمان ، باب : وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - صلى اللّه عليه وسلم - إلى جميع الناس وفسخ الملل بملة . ( 2 ) سورة المائدة : 19 . ( 3 ) سورة المائدة : 19 .